الحلبي
575
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
كان المراد به رؤية اليقظة فهو حجاب الصورة . قال : وقيل رآه بفؤاده مرتين لا بعيني رأسه ؛ فعن بعض الصحابة « قلنا : يا رسول اللّه هل رأيت ربك ؟ قال : لم أره بعيني ، رأيته بفؤادي مرتين ، ثم تلا ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) [ النّجم : الآية 8 ] الآية » وهذا السياق يدل على أن فاعل دَنا فَتَدَلَّى لحق سبحانه وتعالى ، والمراد بالفؤاد القلب : أي خلقت الرؤية في القلب ، أو خلق اللّه لفؤاده بصرا رأى به انتهى . أقول : وكون الفؤاد له بصر واضح ، لقوله تعالى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النّجم : الآية 17 ] . وأجيب عما احتجت به عائشة رضي اللّه عنها من قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : الآية 103 ] بأنه لا يلزم من الرؤية الإدراك : أي الذي هو الإحاطة ، فالنور إنما منع من الإحاطة به لا من أصل الرؤية . وقد قال بعضهم للإمام أحمد : بأي معنى تدفع قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على اللّه تعالى الفرية ؟ فقال : يدفع بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « رأيت ربي » وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم أكبر من قولها . هذا ، وقد قال أبو العباس بن تيمية : الإمام أحمد إنما يعني رؤية المنام ، فإنه لما سئل عن ذلك ، قال نعم رآه ؟ فإن رؤيا الأنبياء حق ، ولم يقل إنه رآه بعين رأسه يقظة ، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم ، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك . أقول : وفيه أنه يبعد أن يكون الإمام أحمد يفهم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها تنكر رؤيا المنام حتى يردّ عليها ، وقد ضعف حديث أبي ذر المتقدم ، وهو « قلت يا رسول اللّه رأيت ربك ؟ فقال : نوراني أراه ؟ » وهو من جملة الأحاديث التي في مسلم التي نظر فيها واللّه أعلم . قال أبو العباس بن تيمية : وأهل السنة متفقون على أن اللّه عز وجل لا يراه أحد بعينه في الدنيا لا نبي ولا غير نبي ، ولم يقع النزاع إلا في نبينا صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، مع أن أحاديث المعراج المعروفة ليس في شيء منها أنه رآه ، وإنما روي ذلك بإسناد موضوع باتفاق أهل الحديث . وفي صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت وقد سأله موسى الرؤية فمنعها » . وقد نقل القرطبي عن جماعة من المحققين القول بالوقف في هذه المسألة ، لأنه لا دليل قاطع وغاية ما استدل به الفريقان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل ، وهو من المعتقدات ، فلا بد فيها من الدليل القطعي هذا كلامه . ونازع فيه السبكي بأنه ليس من المعتقدات التي يشترط فيها الدليل القطعي ،